الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

17

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقرأ الجمهور ما تنزل بفتح التاء على أن أصله ( تتنزّل ) . وقرأ أبو بكر عن عاصم - بضم التاء وفتح الزاي على البناء للمجهول ورفع الملائكة على النيابة - . وقرأ الكسائي ، وحفص عن عاصم ، وخلف ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ - بنون في أوله وكسر الزاي ونصب الملائكة على المفعولية - . [ 9 ] [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 9 ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) استئناف ابتدائي لإبطال جزء من كلامهم المستهزئين به ، إذ قالوا : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [ سورة الحجر : 6 ] ، بعد أن عجل كشف شبهتهم في قولهم : لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ سورة الحجر : 7 ] . جاء نشر الجوابين على عكس لفّ المقالين اهتماما بالابتداء بردّ المقال الثاني بما فيه من الشبهة بالتعجيز والإفحام ، ثم ثني العنان إلى ردّ تعريضهم بالاستهزاء وسؤال رؤية الملائكة . وكان هذا الجواب من نوع القول بالموجب بتقرير إنزال الذكر على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مجاراة لظاهر كلامهم . والمقصود الردّ عليهم في استهزائهم ، فأكد الخبر ب إِنَّا وضمير الفصل مع موافقته لما في الواقع كقوله : قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [ سورة المنافقون : 1 ] . ثم زاد ذلك ارتقاء ونكاية لهم بأن منزل الذكر هو حافظه من كيد الأعداء ؛ فجملة وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ معترضة ، والواو اعتراضية . والضمير المجرور باللام عائد إلى الذِّكْرَ ، واللام لتقوية عمل العامل لضعفه بالتأخير عن معموله . وشمل حفظه الحفظ من التلاشي ، والحفظ من الزيادة والنقصان فيه ، بأن يسّر تواتره وأسباب ذلك ، وسلّمه من التبديل والتغيير حتى حفظته الأمّة عن ظهور قلوبها من حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاستقرّ بين الأمّة بمسمع من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصار حفّاظه بالغين عدد التواتر في كل مصر . وقد حكى عياض في « المدارك » : أن القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد المالكي